(1) كيف يتورط هشام مطر مع كتبه | التلفزيون العربي

(1) كيف يتورط هشام مطر مع كتبه

07/12/2017
تبدأ الحكاية عام 1990، عندما اختطف والد الروائي هشام مطر من مصر بمساعدة النظام المصري حتى تم تسليمه إلى نظام القذافي، حيث قبع في السجون لمدة 6 سنوات، ثم اختفى في سجن بوسليم منذ عام 1996.

جاء في مسوغات منحه الجائزة أن الرواية تقدم "مرثاة للوطن والأب بضمير المتكلم تفحص بمشاعر محكومة الماضي والحاضر في منطقة مأزومة". هكذا تحدث القائمين على واحدة من أهم الجوائز العالمية عن رواية "العودة" للكاتب الليبي هشام مطر، أثناء تكريمه بجائزة البوليتزر لفئة "السيرة الذاتية".

يستضيف برنامج عصير الكتب على شاشة التلفزيون العربي، الكاتب الليبي، ويفتح معه حوارا مثيرا حول تجربة بحثه عن أبيه المختفي داخل أحد السجون المحررة، والذي يقبع في ظلام الزنازين منذ عقود طويلة، وهي التجربة التي جسدها في كتابه سابق الذكر، وننقل هنا ما جاء في الجزء الأول من الحوار.

تبدأ الحكاية عام 1990، عندما اختطف والد الروائي الليبي، وهو المعارض والناشط جاب الله مطر من مصر بمساعدة النظام المصري حتى تم تسليمه إلى نظام القذافي، حيث قبع في السجون لمدة 6 سنوات، ثم اختفى في سجن بوسليم منذ عام 1996.

  • متى أخذت القرار بالانتقال من كتابة روايات خيالية مستوحاة من الواقع إلى كتابة السيرة الحقيقية؟

دائما ما مثل لي القرار سؤالا معلقا. صحيح لدي مساحة جزئية لاتخاذ قرار عام بكتابة شيء من عدمه، لكن لا أظن أنني سبق وامتلكت قرارا بكتابة شيء ما محدد.

يبدأ كل كتاب بحركات بسيطة جدا، صوت، صورة، جملة، إحساس. عند تلك البداية لا أعلم بأي اتجاه سيسير الكتاب، ربما قد أخدع نفسي حينها بأن الكتاب موجود بالفعل.

وعن هذه السيرة تحديدا، عندما ذهبت إلى ليبيا للمرة الأولى منذ 33 عاما، وتحديدا عام 2012، صحبت معي زوجتي وأمي. كانت رحلة رائعة ومهمة جدا، بطرق توقعتها، وبطرق أخرى فاجأتني.

كنت أتجول دائما ومعي مفكرة بجيبي، لأدون فيها تفاصيل كل يوم، ظللت أفعل ذلك كل يوم لمدة شهر، وعندما رجعت إلى لندن حيث أسكن، صار شيء لم يسبق أن حدث معي. توقفت عن الكتابة تماما، لم أكتب شيئا لمدة 3 أشهر، علاقتي باللغة كأنها انتهت، علاقتي بالقراءة انتهت، لم أعرف السبب. قلت وقتها إنني لربما وصلت لنهاية حياتي الأدبية، ويجب أن أبحث عن شيء جديد لأمارسه.

عندما أقول "عمل أدبي"، هذا لا يعني أنني أتخلى عن الحقيقة، بل أملؤها  بالتناقضات الإنسانية، وشعورنا بالوجود، وبعمق اللحظة

ذهبت لزيارة صديق يعيش وسط المزارع والجبال في شمال إيطاليا، وأخذت معي ما دونته في ليبيا. كان صديقي يحب الأكل والقصص والورد والنباتات. تمتعت بصحبته.

بعد يومين، قررت قراءة ما دونته في ليبيا، ثم انتزعت السطرين الأول والثاني من المفكرة، كانوا بسيطين للغاية، أين أنا؟ ومع من؟ أنا في المطار مع أمي وزوجتي. فكرت وقتها لو أن هذين السطرين هما بداية عمل أدبي، كيف سيكون شكل هذا العمل؟.

عندما أقول "عمل أدبي"، هذا لا يعني أنني أتخلى عن الحقيقة، بل أملؤها بالتناقضات الإنسانية، وشعورنا بالوجود، وبعمق اللحظة. استمريت في الكتابة. بعد 3 صفحات أدركت أنها سيرة ذاتية لا رواية.

  • كتبت رواية "في بلد الرجال" في 5 سنوات، لكن في "العودة" رغم أنك استغرقت عمرا في تفاصيلها إلا أنك كتبتها في وقت أقل، كيف حدث ذلك؟

يجب أن تضع في حسبانك أن "في بلد الرجال" هو كتابي الأول، كنت أتعلم فيه، إلا أنني متعلق به بشكل كبير، كان بمثابة المدرسة لي،

يمثل الكتاب بالنسبة لي عملا معماريا، أنا متعلق بفن الرواية، إلا أن الوصف الدقيق له بالنسبة لي هو كاتب نثر.

  • هل تضع تصورا معماريا للكتاب أم أنك تترك الكتاب ليقرر مصيره بنفسه؟

أفعل الاثنين معا. في البداية يكون لديك تصور مبهم عن فكرة الكتاب الرئيسية، لكن وأن تعمل عليه تتشكل لدى الكتاب شخصية، يرفض أشياء ويقبل أشياء أخرى، يمتلك الكتاب صوته وحركته. في بعض الأحيان، قد تحاول أن تفرض شيئا على الكتاب فيرفضه، يجب أن تقبل ما يتطلبه الكتاب منك.

بالنسبة لي، النصف الأول من العمل هو نوع من المعرفة؛ كأنك دخلت غرفة مظلمة ومعك شخص آخر، وفيما تحاول التعرف عليه، يجب أن تكون صبورا في البداية لمعرفة طبيعته، وعندها تشعر أن الكتاب أصبح "نصيبك" الذي اختارك.

الهدية الأكبر أن يأتيك كتاب يحمل شهية وذكاء وطاقة أكثر من كاتبه. رأي الناس والانطباعات عن الكتاب والجوائز، كل هذا مهم، لكن لا شيء أجمل من وجود الكتاب بذاته.

  • كيف يمكن أن نكتب عن كل هذا الحزن ونحافظ على التوازن بين الانخراط في المأساة وعدم الإفراط فيها؟

أدركت منذ البداية أن الكتاب يمتلك طريقة معينة في الوصف، هناك الماضي. أنا في المطار أذهب إلى ليبيا للمرة الأولى منذ 33 عاما، الوصول إلى ليبيا وما عايشته هناك. يمكنك أن تصف كل هذا في ثلاث صفحات إلا أنني لاحظت أن الكتاب في كل خطوة يسترجع الماضي الأقدم. يمكنك أن تقول إن الحاضر حقيقي وموجود، إلا أنه محمل بأصوات الماضي.

الأكثر قراءة

القائمة البريدية