كولد بلاي: كيف لشيء بهذه السطحية أن يتمتع بكل هذه القوة | التلفزيون العربي

كولد بلاي: كيف لشيء بهذه السطحية أن يتمتع بكل هذه القوة

30/12/2015
يحتار المرء دائما عندما يقتبس كلمات من أغاني البوب. من الواضح تماما أن كلمات هذه الأغاني لم تكتب كقصائد شعرية؛ ففي غياب الموسيقى، حتى أغاني بوب ديلان من الممكن أن تبدو دربا من الحماقة، لكن أحيانا لا يمكن مقاومة بريق الإغراء. "
#هجمات باريس#لندن#موسيقى

ترجمة - أحمد صفوت

 

تعد كولد بلاي الإنجليزية، واحدة من أشهر فرق البوب في العالم، إلا أنها تحظى بجمهور واسع أيضا في الشرق الأوسط والعالم العربي تحديد. يحاول جون هاريس في مقاله المنشور بالجارديان أن يحلل كيفية حصول فرقة كولد بلاي على تلك القاعدة الجماهيرية الواسعة، حيث انهم باعوا أكثر من 80 مليون نسخة من ألبوماتهم. وبدوره يرى هاريس أن هناك تناقضا واضحا في الأمر، خاصة بأنه وصف الفرقة بالسطحية.

 

يحتار المرء دائما عندما يقتبس كلمات من أغاني البوب. من الواضح تماما أن كلمات هذه الأغاني لم تكتب كقصائد شعرية؛ ففي غياب الموسيقى، حتى أغاني بوب ديلان من الممكن أن تبدو دربا من الحماقة، لكن أحيانا لا يمكن مقاومة بريق الإغراء.

فلنأخذ على سبيل المثال أغنية up & up، الأغنية الختامية في الألبوم الصادر مؤخرا لفرقة ""كولد بلاي""، تحديد في الرابع من ديسمبر الماضي. المقطع الثاني من الأغنية يجري على النحو التالي: ""مستلقيا على المزراب، محدقا في القمر، كأني أحاول تفريغ المحيط بملعقة .. كيف للناس أن يعانوا، كيف لهم أن يكونوا بهذه الحدة، كيف لهم أن يكسروا قلبك؟"".

ما الذي تعنيه فوضى الاستعارات والمشاعر الرخيصة تلك؟، على الأغلب كريس مارتين، الكاتب الرئيسي في الفرقة لا يعرف أيضا. أيا يكن؛ بينما تتصاعد الأغنية نحو ذروتها وتؤكد لنا الأصوات الحادة ""أننا سنتجاوزها معا""- كما تقول الأغنية-؛ بمقدورك حينها أن تدرك إحراز النجاح العالمي المحقق.

ما معنى ""كولد بلاي""؟ ربما يبدو السؤال سخيفا. الكلمات التي تتزين بها أغاني كولد بلاي مؤخرا - معظمها ""كليشيهي وسطحي"" على حد تعبير مقال أليكسيز بيتريديز في الجارديان مؤخرا- ، واللقاءات التلفزيونية معهم تبدو غاية في التبلد.  ومع ذلك كما سيخبرك أي باحث في شؤون الثقافة، بغض النظر عما تقوله أو لا تقوله الفرقة، إلا أنك عندما تبيع 80 مليون نسخة يصبح من المشروع أن نتساءل عن كيفية حدوث ذلك، ما الذي تفعله موسيقى كولد بلاي للناس؟

قبل أن نذهب بعيدا، أود أن اعترف أنني يعجبني بعضا من أغاني كولد بلاي، لديهم موهبة على مستوى النغمات ومقدرة على استحضار المشاعر، تجعل من أغانيهم الشهيرة لاتقاوم. في بعض الأحيان كما في أغنية fix you، تصبح الأغنية حزينة للغاية، غالبا تكون تافهة أو لا تعني شيء، ولكن هم يعرفون جيدا كيف يصنعون منها أغنية ناجحة.

السبب جزئيا يرجع إلى أن ألحانهم التي يشوبها بعض العامية الحديثة التي تعلق في الأذن بسهولة. ولكن سر كولد بلاي الأساسي يكمن في قدرتهم على التقاط شيء ما أصيلا وسط الحداثة. أقصى ما استطيع قوله أن أفضل أغانيهم تجعلني أشعر أنني بداخل إعلان هواتف نقالة، أو أنني أجلس بصالة المغادرة داخل أحدى المطارات شديدة النظافة. هناك شيء ما غامض يتخصصون به لا استطيع تعريفه بدقة، كما في اللازمة في نهاية أفضل إنجازاتهم، أغنية clocks، والتي تقول: ""المنزل، المنزل هو المكان الذي أردت الذهاب إليه"".

ولكن أغانيهم مؤخرا أصبحت مزعجة للغاية. بالنسبة للألبوم الأخير A head full of dreams، انجرفت الفرقة خلف المنتجان النرويجيان ""الثنائي ستارجيت""، واللذان انتجا موسيقى لريانا وبيونسيه. الصبغة التي ميزت أغانيهم والتي يمكن إرجاعاها إلى بدايتهم كفرقة روك مستقل؛ قد اختفت الآن، أغانيهم الآن أصبحت خففة أكثر من اللازم، مما يهددها أن تختفي ولا يتذكرها أحد في المستقبل.

 الصور الدعائية للألبوم عبارة عن ألوان الطيف مرسومة بشكل فوضوي، يتخللها طيور وكواكب وسحب غريبة المظهر، والكلمات يتخللها الكثير من الملائكة والماس والأهرامات المصرية. في محاولة لإدعاء أن كريس مارتين قد تحرر من البؤس الدنيوي، يأتي صوت جوينيث بالترو زوجته السابقة في أحد اغنيات الألبوم والتي تدعى Everglow، احتفاء منه بحقيقية أن الحب يستمر حتى بعد الانفصال، والعنوان هو مرادف للنعيم من وجهة نظر متجول أمريكي.

على ظهر المنشور التعريفي المصاحب للإسطوانة، يظهر اسم الفرقة بالهندية، أغنية مأخوذة عن قصيدة من القرن الثالث عشر كتبها جلال الدين الرومي، شائعة  بين الأدبيات الصوفية التي تساعد على تصفية الذهن (طريقة مستخدمة لدى البوذيين)، وكما قال مارتن مؤكدا على ذلك ""كل مانشعر به كبشر، هو مقدس""، كما تحتوي أيضا على مقطع لبراك أوباما يغني أغنية العطاء العظيم"".

 بدأت فرقة كولد بلاي مشوارها في العام 2000، ولكن علاقتهم بالشهرة العالمية تبدأ في أواخر عام 2002 ومع صدور ألبومهم A rush of blood to the head، بالتزامن مع إشراف عصر الهيدونية الماجنة على الانتهاء، في أعقاب أحداث الحادي عشر من سبتمبر، بالتوصل إلى قناعات يقينية حول أمور كانت فيما قبل محل تساؤلات وشكوك. هنا تؤكد لنا النظرية الثقافية الأساسية مجددًا أن ""الحاجة"" ليست مسألة قصدية، ولم تكن بالطبع كذلك في هذه الحالة. في ذلك الوقت، كان العالم في حاجة إلى حل وجودي يخفف من معاناته، وهو ما استطاعت ""كولد بلاي"" أن تقدمه. لذلك نجد أن معظم، إن لم يكن جميع، تسجيلات الفرقة، منذ لحظة تكوينها، تركز على ذات الموضوعات: بعث الطمأنينة، الخلاص الإنساني، والإصرار على أن ما يجب أن يكون إنسانيًا هو الذي نستطيع رؤيته من خلال ذواتنا الشخصية (ولنأخذ مثالًا على ذلك، المقطع المؤثر بالأغنية الجديدة الصادرة تحت عنوان ""يوم رائع"": ""هناك مبررٌ للأمل؛ فيدك في يدي، والحياة لها نسقٌ جميلٌ ومجنون"").

 أصبحت أغانيهم مع الوقت أكثر خفة وتفاؤلا بما لا يتناسب مع مايجري حولهم في العالم من كوارث. كلما اتجهت الأشياء إلى الأسوأ، كلما حاولوا أن يطمئنونا أكثر،  بلغة مبتذلة تحاول استجداء الإيمان. ربما لهذا السبب ظلوا متماسكين أكثر من فرقة U2 التي أنطفأ نجمها، حيث أنهم سيعزفون لأربع ليال في ستاد ويمبلي، بالإضافة إلى عزفهم في المهرجان الأشهر Super bowl 50.

 من ناحية، يبدو ذلك كما لو كان إشارة أخرى إلى أن موسيقى البوب قد استطاعت الخروج من دائرة الابتذال العاطفي التي كانت محصورة فيها، ولكن ذلك يحدث بواسطة موسيقيين يتميزون بقدر عال من الادعاء المتغطرس، والسعي نحو حيازة القوة والسيطرة الكاملتين بالإحالة إلى ""الإنسان"" وقدراته، على حد تعبير الهيبيين، في محاولة لطمأنتنا والتأكيد أن كل شيء يسير على ما يرام، بما يخالف الواقع بوضوح شديد. ولكن من منظور آخر، قد يشير ذات الأمر إلى نوع من الموسيقى يلقي الضوء على المميزات الأساسية التي يشترك فيها محبوه: النزعة الهروبية، والتأكيد الملح، على نحو ساذج، على أن الشمس تشرق كل صباح.

 واحدة من أكثر القصص الإنسانية شهرة هذا العام هي عن رجل بعد أن سمع عن الهجمات الإرهابية في باريس؛ حمل البيانو الذي يملكه وسافر 400 ميل من ألمانيا قاصدا مسرح باتكلان في باريس، ليعزف أغنية جون لينون الشهيرة Imagine - ترنيمة العلمانيين الأشهر التي تتخيل العالم بلا تفرقة أو ديانات – مما أبكى المشاهدين. ولكن كولد بلاي فعلوها قبله، حيث أنهم لعبوا نفس الأغنية خلال ساعات من بعد وقوع الحادث الوحشي، في حفلة  بلوس أنجلوس. أعضاء الفرقة الأربعة وقفوا على حافة المسرح، متجاهلين جزء الأغنية المتحدث عن جمال العالم بلا أديان، بطريقتهم المعتادة التي تحاول أن تدعي البراءة المطلقة.

 وتشير هذه القصة، مثلما يفعل كل ما يقومون به، إلى فكرة نويل كوارد المعتادة والتي تؤكد على قوة الموسيقى الرخيصة وقدرتها على الانتشار، إلا أن حدوثها، في أوقات صعبة ومخيفة كالتي نعيشها، يحتاج إلى مزيد من التفصيل، فالبريق الساحر وغير المعتاد لكولد بلاي يوضح لنا كيف يمكن للسياق التاريخي والشعبية الجارفة أن يمنحا فنونًا ضحلة، على نحو واضح، قوةً لا تستحقها على الأغلب.

الأكثر قراءة

القائمة البريدية