الموتى ينتحرون بالعشب | التلفزيون العربي
28/08/2016

الموتى ينتحرون بالعشب

#كتاب#نص#تدوين

سأنتحر بعد أيام أو أشهر قليلة. أريد أن أهرب من الحياة.. والموت سيفي بالغرض.

أريد أن أموت دعساً بسيارة شحن كبيرة على جسر مشاة فوق نهر، أرغب أن يتزخرف جلدي الباهت بعجلاتها الممرغة بالإسفلت، وبعدها أغرق بمياه نهر.

هو الأمان المطلق أن أعود من حيث آتيت. حيث إنني جئت من عالم الأموات.. هذا ما يفسر الطمأنية التي أشعر بها، عندما أتأمل شاهدة قبر، أو في سعيي لدخول كل المقابر التي أجدها في طريقي، وحديثي الشيق مع الحفار فيها.

في إحدى المرات.. ذهبت ومجموعة أصدقاء للغابة في مشوار روتيني رتيب كئيب. وللصدفة وجدت مقبرة مطلة على السفح، ابتعدت عنهم ورحت اتأمل الزهرات والأغصان اليابسة المغروسة في تراب أحد القبور، شعرت بخفة وكأنني أطفو مع الأرواح النقية الهائمة في الأجواء، أعرفهم جمعيا؛ أحدهم مات فجأة فوق سريره، وأخر غرق في النهر حتى امتلأت رئتيه بالماء وعظام من سبقوه، وطفل ثالث لا يتعدى الشهر مات اختناقا بحليب أمه النائمة.

لا أريد أن أتعب في موتي، يقول أحدهم لي: ""إن الموت رفاهية، ويجب عليك الاستمتاع أكثر في موتك، فالركض وراء كلمة قاتلة أفضل بكثير من أن تقوم سيارة بدهسك، أن تموتي في الغابات الاستوائية أفضل من الموت في اسطنبول، كالذوبان في الحمم البركانية مثلاً"".

سبق وأكدت: أريد موتاً دون تعب أو ألم.

بدأت بالبحث عن الانتحار.. قرأت رسالة انتحار فرجيينا وولف التي عاصرت جيمس جويس الإيرلندي الشهير صاحب رواية أوليس، والذي قال عنها إنها أكثر كآبة من قطة سوداء في برميل بليل بلا نجم.

وقرأت أبحاثاً عن سياحة الانتحار في سويسرا، حيث توجد عيادات تلبي رغبتك. تنتحر هناك برفاهية وأنت تضغط على يد أحد أحبابك دون ألم أو وجع، ببساطة ترتشف سم زاهي اللون منكهاً بالفاكهة التي تحب، وبعدها تبدأ دقات قلبك بالاضطراب وترتاح من الوجود، أو قد يوضع لك مصل في ذراعك لتغفو بعدها إلى الأبد.

وللصدفة، وأنا أقرأ رواية “كيف أصبحت غبياً” لكاتبها الفرنسي “مارتن باج” يقرر أنطوان البطل الذي يعاني من مرض المعرفة ويحاول استبداله بمرض جسدي ملموس يشغل إدراكه فيه. بعد فشله بأن يصبح سكيراً أحمق أو شبحاً تافهاً، يقرر أن ينتحر، ويذهب إلى مركز تعليم الانتحار.

في المركز قالت البروفيسورة ""إن الطبيعة لا تريد أن نتحرر منها إنها تفرض إرادتها علينا حتى النهاية، تريد أن تقرر نيابة عنا. من يموت البشر؟ لقد أحلنا هذه الحرية السامية إلى المرض والحوادث والجريمة""، وتضيف ضمن صفحات الرواية ""يقرر المجتمع تاريخ موتنا بنوعية غذائنا وخطورة بيئتنا اليومية وظروف عملنا وحياتنا. نحن لا نختار طريقة عيشنا ولا نختار لغتنا وبلدنا وعصرنا وأذواقنا، نحن لا نختار حياتنا. الحرية الوحيدة هي الموت، أن تكون حراً هو أن تموت"".

وكأن كل ما يحيط بي يشجعني على اتخاذ هذه الخطوة الشجاعة في أن أقرر موعد موتي. عندما انتحر لن أترك رسالة، قاطعها بأنه سيكتب النص الأول والأخير في حياته عن انتحارها، لترد لا أريد لأحد أن يكتب شيئاً عني، ولا كلمة ومرثية ولا صورة.

لا أريد أي أثر لي بدوني. لن أرتاح وأنا ميتة إن حصل ذلك.

أخبرت صديقي بقراري فنصحني بفكرة أفضل، حدثني عن انتحار العقل ذاتياً، وأخبرني أنه في إحدى المرات، قام طبيب بتجربة على أحد المحكومين بالإعدام، حيث أحضر لترات من الماء بنفس كمية ودرجة حرارة الدماء الموجودة بالجسم. أجلس المحكوم على كرسي وأغمضت عيناه. بعد ذلك ضربه الطبيب بقطعة بلاستيكية على يده، فخيل للمحكوم أنه تم قطع شراينه بسكين، وسكب الماء على يده. عندها بدأت دقات قلبه بالانخفاض ونبضه بالهبوط. هكذا وقع بالإيحاء وخدع عقله بأنه روحه ستفارق جسده بعد قليل، ومات بالفعل مع أخر قطرة ماء.

قررت أن أمارس تلك الطقوس على عقلي. تمددت على السرير. شعرت أن حرارة دماغي ارتفعت إلى 60 مئوية وبدأت خلاياه تفرقع كحبات من الفوشار تسبح في دماء ساخنة، بعدها خانني عقلي وراح يطفو في البحر بهدوء وحيداً.

تفرعت شرايين قدماي إلى 66 شرياناً وتسابق الدم فيها وكأنه في سباق مصيري طويل قد لا ينتهي إلا بانفجار عروقي الزرقاء.

أحسست أن الضغط شكّل بقعة سوداء في منتصف جبيني ما لبثت أن تحولت لأمواج من النفط الثقيل ترتطم بجفوني لتتسع دائرة العتمة. وثقب رأسي من جانبيه وكأن نقاري خشب يحفرانه بكيد. فيما امتلأت أذناي بأكياس من النار، توقعت أن يسقط الألم إلى جسدي بكامله ليحرر روحي منه بعد قليل كما حصل مع المحكوم بالإعدام. خفت وعدت لأتمسك بالحياة. شربت الماء ورفعت قدماي على الحائط لأعلى نقطة تصلان إليها، ليعود الدم ويكمل مشواره بأمان في جسدي.

لست بتلك الشجاعة، ربما لا أريد أن أموت. لكنني في الوقت نفسه تعبت، ولم أعد أقوى على هذه الحياة، وأخبارها وحوادثها. ونحن عاجزون عن فعل أي شيء. العجز مهين ومحزن ويؤذي الروح، أن تشعر أن لا دور لك في شيء إلا المراقبة والانتظار والتعاطف، وعلى الجهات المقابلة تعبت من تفاهة الأخبار المحيطة وبذخها علينا.

سئمت ولم أعد قادرة على الاستمرار أكثر. غير أنني بدأت أفقد نفسي وارتدي الأقنعة وأضحك بسبب ودون سبب، نحن تتغير دون أن ندري. قد تدخل في علاقات شائبة، وتختلط مع أرواح مشوهة، لا تبدأ بالتصنع ولا تنتهي بأحاديث حشو الفراغ، أشياء كنت تبتعد عنها. لسبب تعلمه تماماً.

أن تفعل الكثير من الأشياء، لكنك في الوقت نفسه لا تفعل شيئاً، أن تقتسم يومك مع الكثيرين إلا نفسك. الوقت غير كاف للقيام بأي شيء، وفرصة مشاهدة فيلم كامل لا يتجاوز الساعتين، دون أن توقفه قبل الدقيقة 16 يعد إنجازاً.

كل شيء يبدو غريباً عندما نتمعن بتفاصيله حتى وجوه من أحببناهم، سأسقط يوماً من على سطح الشمس دون أن اختار الموعد.

اللوحة: أيهم جبر 

الأكثر قراءة

#ترددات#شبكة التلفزيون العربي#نايل سات
#2016#2017#الفنان محمد عطية#تيران وصنافير#رأس السنة#محمد عطية#مصر

القائمة البريدية