الفستان الأحمر: علي عبد الأمير يتحدث عن خطورة تأميم الأصوات | التلفزيون العربي

الفستان الأحمر: علي عبد الأمير يتحدث عن خطورة تأميم الأصوات

12/11/2017
يحاور بلال فضل في برنامجه "عصير الكتب" الكاتب العراقي علي عبد الأمير، للحديث عن كتابه" رقصة الفستان الأحمر الأخيرة"، ودوافع تأليفه ودور السياسة في التأثير على المنتج الفني لدى المبدعين.

في محاكاة لقول ابن خلدون "أول ما يفسد من العمران صناعة الغناء" اختار الكاتب علي عبد الأمير عنوان كتابه "رقصة الفستان الأحمر الأخيرة.. سبعة عقود من تاريخ العراق المعاصر عبر الغناء والموسيقى".

يحكي الكاتب تاريخ العراق السياسي والاجتماعي عبر الموسيقى والغناء في الفترة الواقعة بين العامين 1940 و2015، مستمدا عنوان الكتاب من أغنية "يا أم الفستان الأحمر"، والتي سيأتي ذكرها في الحوار.

يحاور بلال فضل في برنامجه "عصير الكتب" على التلفزيون العربي الكاتب العراقي علي عبد الأمير، للحديث عن الكتاب ودوافع تأليفه ودور السياسة في التأثير على المنتج الفني لدى المبدعين.

إلى أي مدى يمكن اعتبار أن السياسة أفسدت الغناء في العراق؟

الإفساد هنا يتم بين مزدوجين، "حين تم تأميم الحناجر والأنغام" وهي العناصر التي كانت دائما تلقائية في التعبير، صحيح أنها تحتاج إلى مهارة لكن عنصرها الأساسي هو التلقائية، إن تحويل الحناجر والأنغام إلى واحدة من وسائل الإرادات السياسية وسيطرة الحكومات عليها هو الذي فتح الباب لتدهور هذه الصنعة وإنهاء التلقائية فيها، وتحويلها إلى مجرد "زر" تضغط عليه.

يكون الموضوع على سبيل المثال كأن يأتي أحدهم ويقول "اليوم تم دحر العدو.. انهضوا وقولوا في الزعيم ما يكفي"، وهنا تتراجع الألحان والأغاني عن كونها تعبيرا عن الأشواق والأمنيات، الأمنيات بأن يكون المطر غامرا، أو الرياح أقل وطأة.

أنا قلت إنه بالإمكان استخدام الألحان ليس فقط بوصفها علامة صوتية، ولكن بوصفها علامة تلقائية. لا يمكن اعتبار أنه يمكن فهم مصر في الخمسينيات عبر الغناء والموسيقى دون الإحالة إلى "كمال النجمي" على سبيل المثال، وهو الذي طالما ربط الموسيقى بالمشهد الثقافي وسياقه الاجتماعي.

نحن نتحدث عن نهضة حقيقية برزت بقوة في ثلاثينيات مصر من القرن الماضي، وكانت دالة وواضحة.

لماذا اخترت "الفستان الأحمر" عنوانا؟

هناك أغنية من خمسينيات القرن الماضي في العراق تدعى "يا ام الفستان الأحمر" للمطربة مائدة نزهت، أريد أن ألفت النظر إلى "الاسترخاء" الذي تميز به المجتمع وقتها، والذي دفع مغنية لأن تتغنج بالفستان الأحمر لسيدة، وهو ملمح من المجتمع المديني فارقه العراق بقوة بعد ذلك، فلهذا كانت هذه رقصته الأخيرة، أي رقصة المجتمع المتمدن الأخيرة، رقصة المدينة العراقية المثقفة التي تملك حسا مرهفا، ولكنه جريء في الوقت نفسه.

وبعدها تحولت المطربة نفسها التي غنت "الفستان الأحمر" هي الأخرى لتغني للسلطة الجديدة، وهو تأكيد لمنهج البحث بأن الغناء مرآة المجتمع، ولا أقول الموسيقى أيضا؛ لأن "الموسيقى المجردة" دون ما يرتبط بها من غناء تعتبر ضعيفة في الثقافة العربية.

لاحقا تتقدم المغنية صاحبة الفستان الأحمر بطلب للإذاعة من أجل تسليمها أرشيفها الغنائي كله، حيث أرادت تدميره بعد أن التزمت دينيا، وهي ترى في الدين عاملا يتناقض مع سيرتها الدينية، وهو ما قابلته الإذاعة العراقية بالرفض.

قلت في الكتاب إن عدد المطربات تراجع مع صعود الدولة العسكرية؛ فما سرُّ ذلك؟

في الخمسينيات من القرن الماضي كان عدد المغنيات أكثر من عدد المغنيين، وهو ما يعطي مؤشرا أن المجتمع وقتها كان منفتحا، أما في عام 1990 لا توجد مغنية واحدة في العراق.

حصلت موجات التدين مع وجود المؤسسات الثقافية الحزبية، في العراق المؤسسات ليست حكومية فحسب، ولكنها تستند على أساس حزبي، والمؤسسات الحزبية في بعض الأوقات صارمة أكثر من المؤسسة الحكومية الرسمية، على سبيل المثال عندما ماتت المغنية الفرنسية  إيديث بياف وخرجت الرئاسة الفرنسية سائرة خلف نعشها، نُشِر الخبر في العراق على أنه جزء من الطرائف، عُوقِب من نشر الخبر من المكتب السياسي، رغم أنه أيضا من أعضاء حزب البعث الحاكم، وذلك لإظهاره فرنسا وكأنها تمشي حزينة خلف مغنية، لم يكن صدام يريد أن يُظهِر فرنسا بهذا المظهر، كان يراهن على أنها ستكون علامة التغيير في الموقف الدولي نحوه، وكانت لديه صداقة مع جاك شيراك منذ أن كان رئيسا لبلدية باريس.

هذا يعكس حقيقة معنى أن تنحدر المسؤولية الثقافية وتتراجع عند السلطان.

في العام 1993 أتى ابن عم الرئيس صدام حسين علي حسن المجيد المعروف عالميا بالكيميائي، وكان في ذائقته يصل إلى مستوى قريب من الانحطاط، كان يعاشر أسوأ المطربات من الغجريات، وكان يذهب إليهن في بيوتهن، وبلغت به النشوة في ليلة فقال لإحدى هؤلاء المغنيات إنه قادر على أن يجعلها تغني في التلفزيون، فبعث بشريط فيديو وأمر رئيس التلفزيون بعرضه، حيث وقع الأخير في حيرة، لأن المغنيات لا يظهرن على التلفاز، فاتصل بالرئاسة التي منعت بدورها ظهور المغنية على التلفاز، ولكن هذا لم يمنع المجيد من الانتقام منه، فأتى به في اليوم التالي وضربه ضربا مبرحا وعذبه وألحق به الإهانة.

هذا يعطينا مؤشرا على خطورة تبعات الأضرار التي يمكن أن تلحقها السلطة الأمية بالوجود الثقافي والإنساني.

الأكثر قراءة

القائمة البريدية