إلياس خوري: كل الناس أبطال روايات ليست مكتوبة | التلفزيون العربي

إلياس خوري: كل الناس أبطال روايات ليست مكتوبة

06/12/2017
أجرى الإعلامي المصري بلال فضل، في برنامجه "عصير الكتب" على شاشة التلفزيون العربي، حوارا ثريا مع الكاتب والروائي اللبناني الكبير إلياس خوري.

أجرى الإعلامي المصري بلال فضل، في برنامجه "عصير الكتب" على شاشة التلفزيون العربي، حوارا ثريا مع الكاتب والروائي اللبناني الكبير إلياس خوري.

إليكم أهم ما ورد في الجزء الثاني من الحوار من أسئلة وإجابات:

  • كتبت في روايتك الأخيرة "أولاد الغيتو - اسمي آدم" على لسان البطل: "الكاتب الذي أضاف الإطار إلى حكايات شهرزاد تافه، ككل الكتاب الذين يخافون من الحكايات المجانية التي تنفجر فينا كما ينفجر الماء من باطن الأرض. من قال إننا نحتاج إلى المعنى كي نُروى؟! فحلمي الدائم هو الوصول إلى نص بلا معنى مثل الموسيقى".

ما الذي يدفعك إلى كتابة رواية في المقام الأول؛ الفكرة أم المعنى أم الهم الإنساني، كالحرب والثورة، أم الشخصيات؟

كل حكاية لها بداية مختلفة، ولكن القاسم المشترك بين جميع البدايات هو الحب، فالكتابة فعل حب.

أغلب الشخصيات الرئيسة في رواياتي شخصيات هامشية أحبها (ماسح أحذية، عامل نظافة، حارس بناء، بائع فلافل، كاتب فاشل، فدائي لا يقدر أحد بطولته…).

أذكر أنه بعدما صدرت رواية "الوجوه البيضاء" ناقشوها في إحدى المدارس الثانوية، ودعوني لحضور النقاش، قالت لي إحدى الطالبات: "إذا كان حارس العمارة بطلا لروايتك، يمكنني أنا أيضا أن أكون بطلة رواية"، فأجبتها: "كل الناس أبطال روايات ليست مكتوبة".

يقول الجاحظ: "المعاني مطروحة في الطريق، إنما الشعر صناعة ودرب من الصبر وجنس من التصوير". كل ما في الأمر هو القدرة على التقاط المعاني الموجودة، وتحريرها من القمع الذي تمارسه الأشكال المختلفة من السلطة، سياسية كانت أو أبوية أو ذكورية أو غير ذلك.

في كل المرات التي كتبت فيها، كنت أشعر بحب عميق تجاه شخصيات رواياتي، ولا أفهم كيف يمكن أن تكتب عن أشخاص لا تحبهم.

حسنا، إذا نظرنا إلى الكتابة بوصفها فعل حب، ففي هذه الحالة على الكتابة أن تكون مجانية وبلا أهداف، لأن الحب مجاني ولا هدف له. "الحب كدة"، مثلما تقول أم كلثوم.

في كل المرات التي كتبت فيها، كنت أشعر بحب عميق تجاه شخصيات رواياتي، ولا أفهم كيف يمكن أن تكتب عن أشخاص لا تحبهم.

ابن المقفع يشبه النص بالجوزة، يراها الأغبياء كرة يلعبون بها، ولكن إذا أردت فعلا أن تذوق الجوز يجب أن تكسره لتصل إلى اللب، لذلك فالقارئ قد يبحث عن معنى ما عند قراءته وقد يجده، ولكن قراءة مختلفة يمكنها أن تصل بك إلى ما يتجاوز المعنى.

  • بطل روايتك "أبطال الغيتو - اسمي آدم" كاتب، ويتحدث في الرواية عن صنعة الكتابة. على سبيل المثال، يقول البطل: "مشكلتي مع الكثير من الروايات كانت شعوري بأن الكاتب يستعير الشكل الروائي كي يكتب جزءا من سيرته بشكل موارب".

كيف تختار إطار أو شكل الرواية؟ وأيهما أصعب؛ تحديد الشكل أم رسم الشخصيات؟

عندما تكتب رواية فإنك تبدأ من مكان هلامي وغامض، ثم تظهر الشخصيات من تلقاء نفسها. وإن لم تظهر الشخصيات يجب عليك ألا تستكمل المشروع، لأن ذلك يعني أنك لست مقتنعا.

في الحقيقة، أصعب ما في كتابة الرواية هو ما يمكن أن يُطلق عليه "المونتاج" بالتعبير السينمائي. العرب أطلقوا على الكاتب لفظة "المؤلف"، أي الشخص الذي يقوم بالتوليف و"المونتاج".

أحيانا، تضطر إلى حذف فصول كاملة لعدم تناغمها مع إيقاع الرواية، وربما تكون هذه الفصول جيدة للغاية وتحزن لحذفها، ولكن ذلك ضروري.

  • بطل "أولاد الغيتو - اسمي آدم" كان كاتبا يمر بتحولات مختلفة، هل يمكنك أن تحدثنا عن الفكرة التي أردت إيصالها؟

آدم كان يحاول في البداية خلق ترسيمة جديدة للأدب الفلسطيني، عبر كتابته لقصة "وضاح اليمن".

أعتقد أن ترسيمة الأدب الفلسطيني الحالية صاغها بالأساس غسان كنفاني ومحمود درويش.

غسان كنفاني قدم فكرة الاستعارة الكبرى في روايته "رجال في الشمس"، وصاغها بقوله: "لماذا لم يقرعوا الجدار؟".

هناك مشكلة في الثقافة العربية تظهر بوضوح في الاستقطاب بين مجموعة ترفع صوتها بمعاداة التطبيع ولكنها تناصر أنظمة مستبدة مثل النظام السوري، ، ومجموعة أخرى تطالب بالحرية وتعادي الأنظمة الاستبدادية، لكنها تنسى أن الحرية لا تتجزأ؛ إذ لا يمكنك أن تكون ضد أنظمة الاستبداد العربية وتغض الطرف عن الجرائم الإسرائيلية.

في المقابل، حاول آدم تقديم استعارة بديلة، إذ رأى أن عدم قرع الجدار هو البطولة؛ صمت الضحية هو أعلى درجات البطولة، متحديا بذلك الخطاب الإسرائيلي السائد الذي أدان ضحايا الهولوكوست واتهمهم بأنهم ذهبوا إلى الموت كالنعاج.

بعد ذلك، قرر آدم الانتقال من الاستعارة إلى التركيز على ذاته الفردية وكتابة مذكراته، إلا أنه اكتشف أن مذكراته وفردانيته خلقتا بنهاية المطاف استعارة كبرى.

هذا الالتباس بين الحقيقي الواقعي الذاتي والاستعاري المجازي هو جوهر توتر الأدب، وجوهر الكتابة.

  • ذكرت على لسان آدم أن "الذي يكتب التاريخ هو المنتصر، أما نحن فنكتب الأدب"، ما الذي كنت تقصده؟ وما هي الحدود الفاصلة بين الأدب والتاريخ في رأيك؟

عندما أتحدث عن حقائق تاريخية في رواياتي، مثل سقوط قرية عين الزيتون في رواية "باب الشمس"، فإنني أحرص على التأكد من كل التفاصيل تاريخيا، ويستغرق ذلك مني مجهودا هائلا.

في إحدى المرات، تعرفت على أحد المؤرخين الإسرائيليين في ألمانيا، وهو مؤرخ ممتاز وأحد المناضلين ضد الصهيونية.

روى لي المؤرخ أنه عندما تحدث مع أمه، التي كانت إحدى مقاتلات فرقة البلماخ الإسرائيلية، حول مذبحة عين الزيتون المذكورة في "باب الشمس"، فإنها نفت الأمر كلية في البداية، وقالت له إنها سترسل إلى صحيفة هآرتس لتكذب ما ورد في الرواية. بعد ذلك، هاتفته أمه وأخذت تبكي، قائلة: "عندما شرعت في كتابة الرسالة تذكرت حدوث المجزرة التي كانت ممحاة من ذاكرتي".

الإسرائيليون الآن يحتكرون كتابة التاريخ الرسمي للصراع، وفي هذه الحالة يصبح الصراع بين التاريخ الذي يكتبه المؤرخون والحكاية، وأنا شخصيا أراهن أن الحكاية ستنتصر في النهاية على تاريخ المؤرخين.

  • فكرة الصمت الذي فرضه المنتصر على المهزوم كانت ملحة على بطل روايتك الأخيرة. ما تفسيرك للتناقض الذي يتعامل به العالم مع الهولوكوست اليهودي من جهة، والمأساة الفلسطينية من جهة أخرى؟

علينا أولا التأكيد على إدانة الهولوكوست، واعتباره إحدى الجرائم الكبرى في تاريخ البشرية، بصرف النظر عن إدانة العالم للممارسات الإسرائيلية من عدمها.

بالرغم من ذلك، يجب أن نشير إلى أن الهولوكوست في المقام الأول كان جريمة أوروبية، وتعد أول جريمة أوروبية ترتكب في حق أوروبيين، وهو ما جعل الغرب يشعر بالذنب. ولكن عندما أراد الأوروبيون التغلب على هذا الإحساس بالذنب قاموا بغسل أياديهم من الدم اليهودي بالدم الفلسطيني. وهنا يكمن الخطأ الأخلاقي الفادح الذي ارتكبه الغرب.

اقرأ/ي أيضا: إلياس خوري: في الأدب وحده تحاور الأحياء والأموات

 

 

أظن أن نضال العرب وشعوب العالم الثالث يجب أن يكون من أجل فرض فكرة المساواة، لا محاربة العنصرية بعنصرية مضادة.

القضية الفلسطينية تحديدا قضية إنسانية كبرى، لأن ضحاياها فرض عليهم الموت والصمت.

  • ما الذي تراه فيما يتعلق بالربط بين الوقوف بقوة أمام العدو الصهيوني والاستبداد بالشعوب العربية باسم القضية الفلسطينية؟

قضية فلسطين توجر بها ولا يزال الكثيرون يتاجرون بها؛ لذلك فإنني دائما أقول إنني لا أناصر فلسطين، وإنما أناصر الشعب الفلسطيني، وأتماهى معه بصفته ضحية؛ ففلسطين ليست فكرة وإنما بشر.

أظن أن نضال العرب وشعوب العالم الثالث يجب أن يكون من أجل فرض فكرة المساواة، لا محاربة العنصرية بعنصرية مضادة.

هناك مشكلة في الثقافة العربية تظهر بوضوح في الاستقطاب بين مجموعة ترفع صوتها بمعاداة التطبيع ولكنها تناصر أنظمة مستبدة مثل النظام السوري، الذي يرتكب واحدة من أكبر المجازر في تاريخ العرب المعاصر، ومجموعة أخرى تطالب بالحرية وتعادي الأنظمة الاستبدادية، لكنها تنسى أن الحرية لا تتجزأ؛ إذ لا يمكنك أن تكون ضد أنظمة الاستبداد العربية وتغض الطرف عن الجرائم الإسرائيلية.

إن لم يتم الربط بين الديمقراطية والنضال الوطني التحرري في معادلة مستقيمة، فإن ثقافتنا وحياتنا ستبقيان مهددتين بالدمار.

الأكثر قراءة

القائمة البريدية