إلياس خوري: في الأدب وحده تحاور الأحياء والأموات | التلفزيون العربي

إلياس خوري: في الأدب وحده تحاور الأحياء والأموات

28/10/2017
أجرى الإعلامي والسيناريست بلال فضل، في برنامجه "عصير الكتب" على شاشة التلفزيون العربي، حوارا مطولا في ثلاث حلقات مع الكاتب والروائي اللبناني الكبير إلياس خوري.

أجرى الإعلامي والسيناريست بلال فضل، في برنامجه "عصير الكتب" على شاشة التلفزيون العربي، حوارا مطولا في ثلاث حلقات مع الكاتب والروائي اللبناني الكبير إلياس خوري.

ومن جدوى ومعنى الكتابة، لا سيما بالنسبة إلى كاتب عربي، مرورا بالقضايا الكبرى وفلسطين، ووصولا إلى روايته الأخيرة، الصادرة عن دار الآداب بعنوان "أولاد الغيتو - اسمي آدم"، اصطحبنا فضل في رحلة ممتعة إلى عوالم الكاتب الكبير.

  • كيف تشعر بجدوى الكتابة رغم كل ما يحدث في العالم العربي؟

الإجابة على هذا السؤال صعبة وسهلة في نفس الوقت. فالعالم العربي يتفكك الآن، وشخصيا، فإن وعيي السياسي والثقافي بدأ بالتشكل مع هزيمة 67، ثم عشنا الحرب الأهلية اللبنانية بكل مرارتها، وغيرها من أحداث. في ظل كل ذلك، يصعب عليك أن تفكر بالجدوى.

ولكن من ناحية أخرى، هناك أشياء تجعلك تنظر إلى الأمور على نحو مختلف، سأحكي لك واقعة حدثت بالفعل لأوضح الأمر. عام 2013، قامت مجموعة من الشبان والفتيات الفلسطينيين ببناء قرية أسموها "باب الشمس"، على إسم قرية الرواية. لم أشعر بأن الحياة تعطيك أكثر مما تستحق مثلما شعرت في هذه اللحظة، التي تحول عندها الأدب إلى واقع.

الكاتب العربي أبو حيان التوحيدي له كتاب بعنوان "الإمتاع والمؤانسة"، وهذا هو جوهر الكتابة بالنسبة لي، إذ يكفي أن تستمتع ككاتب وتؤنس الآخرين بكتاباتك. وباستثناء التراث الديني، فإن الأدب هو المكان الوحيد الذي يمكنك فيه أن تحاور الأحياء والأموات. ولا بد أن يركز الأدب على تغيير الأدب وليس تغيير التاريخ، الذي يصبح مهمة القراء.

  • كتبت في رواية "أولاد الغيتو - اسمي آدم" على لسان البطل: "اكتشفت مع العمر والتجربة أن الثائر هو إنسان يائس، وأن اليأس هو أنبل المشاعر لأنه يحررنا من الأوهام ويجعل رؤيتنا الثورية عملا مجانيا يشبه الفن". هل حدث وأن أصيب إلياس خوري، المناضل والكاتب السياسي، بالأمل؟

أنا من جيل الستينيات، وجيلي هو جيل حرب فيتنام وتشي غيفارا والثورة الفلسطينية. كان لدينا شعور بأننا "نقتحم السماء" على حد وصف ماركس لمناضلي كومونة باريس، ولكن اكتشفنا بعد ذلك أن الثورة والحرب والنضال أشياء جميلة عندما تقرأ عنها في الكتب لا عندما تعيشها. أظن أن الموقف الثوري العميق ينطلق من اليأس وما بعده من مشاعر.

  • كتبت في عام 1984: "نكتب كي نقاوم الموت، والموت في كل مكان، نكتب كي ننسى"، وبعد سنوات طويلة كتبت في روايتك الأخيرة: "يعتقد الناس أن الكتابة علاج ضد النسيان وأنها وعاء الذاكرة، لكنهم على خطأ، فالكتابة هي الشكل الملائم للنسيان". بعد كل هذه التغيرات والتقلبات، كيف تستطيع المقاومة والاستمرار؟

كإنسان، إنني أعيش على مستويات عدة. باعتباري مواطنا، اتخذ مواقف سياسية، وذلك هو شرط المواطنة؛ أن يكون لديك تجاه ما يجري قول ورأي، وأن تدافع عن قيم العدالة والمساواة والإنسانية.

ولكنني أعيش على مستوى آخر في الروايات التي أكتبها. يوما قال لي أحد الأشخاص: "هذا البطل يتحدث مثلك"، أجبته: "لا، بل أنا أتحدث مثله، أنا الذي أقلده" لأنني عندما أكتب، فإنني أعيش تجاربا ولحظات لم أعشها بالفعل. أسافر مع شخصيات رواياتي وأتعلم منهم، فالكتابة بالنسبة لي اكتشاف لأشياء لا أعرفها، هي رحلة إلى المجهول.

في حكايات ألف ليلة وليلة، كان السندباد يسافر، كي يعود ويحكي الحكايات، فهدف السفر كان أن يروي. نحن، الكتاب، نسافر مع شخصياتنا، ونكتشف العالم بعيونهم، لذلك تحتاج أحيانا أن تتعلم لغات، أنا مثلا تعلمت السريانية عندما كتبت رواية يالو، ودرست القليل من العبرية، أثناء كتابة رواية أولاد الغيتو.

  • قبل أن تصبح روائيا، كنت صحافيا ومناضلا سياسيا، متى اتخذت القرار بالتركيز على الأدب وكتابة الرواية؟

في العام 1972، كتبت أول رواية بعنوان "عن علاقات الدائرة"، وأرسلتها إلى دار الآداب. في البداية، لم أتلق أي رد، وظننت أن الأمر انتهى عند تلك النقطة. ولكن بعد 7 أو 8 أشهر اتصل بي الدكتور سهيل إدريس، وطلب مني أن نوقع عقدا لنشر الرواية.

حينها سألته إن كانت الرواية قد أعجبته، فقال: "لا لم تعجبني على الإطلاق"، فسألته عن سبب النشر إذن، أجاب: "لأنك ستصبح روائيا كبيرا".

اعترف بي الكتاب ككاتب عندما كتبت "الجبل الصغير"، الذي نشر عام 1977 وترجم فورا إلى الفرنسية، وعندما يعترف بك الكتاب، تصبح كاتبا معلقا، وتنتظر إلى أن يعترف بك القراء لتصير كاتبا كاملا، وذلك هو التحدي الأصعب لأي كاتب والذي يستغرق عمره كله.

الأكثر قراءة

القائمة البريدية